الشيخ محمد رشيد رضا
106
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولكن صح في الحديث اسناد العجب إلى اللّه تعالى وطريقة السلف في مثله أن يقال عجب يليق به ليس كعجب البشر مما يكبرون أمره ويجهلون سببه ، ويتأوله الأكثرون بالرضى من المتعجب منه وقال الأستاذ الامام في العبارة ما معناه مبسوطا : ان الكلام في أكلهم النار والتعجب من صبرهم على النار هو تصوير لحالهم وتمثيل لمآلهم . أما الثاني فظاهر . وأما الأول فيتجلى لك إذا تمثلت حال قوم عندهم كتاب يؤمنون أنه من اللّه ، ويؤمنون بلقاء اللّه ، وقد كتموا ما أنزل اللّه فيه بالتحريف والتأويل كما فعل اليهود بكتمان وصف الرسول ، وهم يقارعون بالدلائل العقلية ، ويذكرون بآيات اللّه وأيامه ، فيشعرون بجاذبين متعاكسين : جاذب الحق الذي عرفره ، وجاذب الباطل الذي ألفوه ، ذاك يحدث لهم هزة وتأثيرا ، وهذا يحدث لهم استكبارا ونفورا ، وقد غلب عقولهم ما عرفوا ، وغلب قلوبهم ما ألفوا ، فثبتوا على ما حرفوا وانحرفوا ، وصاروا إلى حرب عوان ، بين العقل والوجدان ، يتصورون الخطر الآجل ، فيتنغص عليهم التلذذ بالعاجل ، ويتذوقون حلاوة ما هم فيه ، فيؤثرونه على ما سيصيرون اليه . أليس هذا الشعور بخذل الحق ونصر الباطل ، واختيار ما يفنى على ما يبقى ، نارا تشب في الضلوع ؟ أليس ما يأكلونه من ثمن الحق ضريعا لا يسمن ولا يغني من جوع ؟ بلى فان عذاب الباطن أشد من عذاب الظاهر ، كما يومىء اليه قول الشاعر : دخول النار للمهجور خير * من الهجر الذي هو يتقيه لان دخوله في النار أدنى * عذابا - من دخول النار فيه فهذا تأويل وجيه لأكلهم النار وللتعجب من صبرهم على النار ، نزل به الوحي الإلهي وظهر على لسان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وان أرباب الأرواح العالية ، والمرائي « 1 » الصافية ، تتمثل لهم المعاني بأتم ما تتمثل به لسائر الأرواح المحجوبة بالظواهر ، المخدوعة بالمظاهر ، التي يصرفها الاشتغال بالحس ، من معرفة مراتب النفس . فلا غرو إذا
--> ( 1 ) جمع مرآة بالكسر وأصلها مرأية وجمعها مراء كجوار قال في المصباح وجمعت على مرايا قال الأزهري وهو خطأ